الإستقبال المكتبة دراسات إقليمية الموسوعة معجم المصطلحات الجغرافية الخرائط

الصفحة الرئيسية

العولمة  وانعكاساتها على العالم العربي

 

تخطيط البحث

 المقدمة

مفهوم العولمة

كيف نشأت وتطورت

ماهي أسبابها

* مجالات العولمة

العولمة من وجهة نظرسياسية

 العولمة كتجسيم للثورة الاتصالية والمعلوماتية

 العولمة من وجهة النظر الثقافية

 العولمة من وجهة النظرالاقتصادية

تحليل عام للعولمة

 انعكاسات العولمة على الوطن العربي :

- على اقتصاديات العالم العربي

 - على الثقافة العربية الإسلامية

الموقف من العولمة

إيجابيات الظاهرة

سلبيات الظاهرة
 تونس وظاهرة العولمة
  كيف نواجه ظاهرة العولمة ؟
الخاتمة

 مقــــــدمة

العولمة اليوم ونحن قد بلغنا السنة السادسة في الألفية الجديدة  الظاهرة الأكثر انتشارا على الصعيد العالمي بعد أن شهد العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية  تحولات سياسية واقتصادية  واسعة النطاق تمثلت في قيام تكتلات وأحلاف سياسية وعسكرية أبرزها حلف شمال الأطلسي و تكتلات  اقتصادية كبيرة أبرزها الاتحاد الأروبي الذي بلغ اليوم 25 دولة ، وذلك  نتيجة طبيعية  للحربين العالميتين الأولى والثانية ثم قيام الحرب الباردة  بين المعسكرين الرئيسين الشرقي والغربي ثم سقوط الاتحاد السوفياتي و أعقب ذلك توحيد الألمانيتين وسقوط جدار برلين ، ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001  . وقد حظي موضوع العولمة باهتمام غالبية  المفكرين والدارسين في كافة دول العالم على اختلاف مستويات تطورها وذلك في ضوء الانعكاسات الكبيرة  لهذه  الظاهرة على  مختلف المتغيرات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية لهذه الدول . وتزايد الاهتمام  بالعولمة في ضوء الدور المتنامي للعلاقات الدولية  التي أعادت  ترتيب الأولويات الإيديولوجية والاقتصادية والثقافية  للدول . وقد تزايد الاهتمام في العالم العربي  بظاهرة العولمة  بعد أن قامت ولاتزال مراكز البحث والدراسات العربية  بدراسة هذه الظاهرة ، فصدرت العديد من الدراسات والأبحاث ،  منها من يدافع عن هذه الظاهرة ومنهم من ينتقدها . فمنهم من  يرى انها تطورإيجابي حيث إنها  تركز على تحرير قوى  التنافس التي  تساعد على توجيه  الموارد البشرية والمادية إلى المواقع الأكثر إنتاجية ، وإنها تبشر بوعود مشرقة للجميع ، و إن العالم  قد تحول إلى  " غرفة كونية "   تزول فيها  جميع الحواجز والحدود ، بينما  ينظر آخرون إلى  العولمة باعتبارها  مصدراً  للضغط والتهديد ، تتحكم فيها الدول القوية خاصة وأن الجانب الاقتصادي المادي يطغى على أغلب الاطروحات التي تخص هذه الظاهرة . من الضروري بين الموقفين السلبي والايجابي البحث عن موقف موضوعي ، عن طريق الـنـقـد الموضوعي لظاهرة العولمة وتحليل بعض تجلياتها التي ظهرت في الســنوات الأخـيرة بحيث نكتشـف سـلبيات وإيجابيات العولمة بهدف تحديد موقفنا منها ، و الخطوات الإجرائية الواجب إتباعها تجاه انعكاسات هذه الظاهرة .

 فما المقصود  بالعولمة ؟ وكيف تكونت هذه الظاهرة و تطورت ؟ وما ملامحها  الأساسية ؟ و ما انعكاساتها على  الوطن العربي و كيف نواجهها ؟

 مفهوم  العولمة

 منذ أن برز مفهوم العولمة في السنوات القليلة الماضية و الجدل مستمر حول تعريفها وحقيقتها . فهناك من يرى أنها مسألة وهمية وهناك من يراها حقيقة ترتكز على عدة سندات . إصطلاحا هي ترجمة لكلمة GLOBALIZATION  أو GLOBE  أي  الكرة الأرضية . وايضا بالفرنسية Mondialisation  مشتقة من كلمة Monde أي العالم . و يتحدث علماء الاجتماع في مجال التحديث عن " GLOBAL CALTURE " أي الثقافة العالمية  فهي تدل على مشروع لمركزة العالم في حضارة واحدة . فالعولمة لغة : مصدر اشتقاقي  لفعل  مستحدث عولم  يعولم  عولمة  فيقال إن الحياة  تعولمت بعد أن تعولم الاقتصاد وإن السيولة المالية قد تعولمت وكذلك المواصلات والمعلومات  و بالتالي اندماج أسواق العالم  في نظام التجارة العالمية  والاستثمارات المباشرة  وانتقال رؤوس الأموال والقوى والثقافات ، في إطار من رأسمالية حرية الأسواق ، وخضوع العالم لقوى السوق العالمية أو اقتصاد  بما يؤدي إلى اختراق الحدود  القومية ،  والانحسار الكبير في سيادة  الدولة  لفائدة الشركات الرأسمالية العملاقة متعددة  الجنسيات أو عبر القطرية .  تعددت إذن التعريفات  ، فمنهم من يرى العولمة  بأنها " القوى التي  لا يمكن السيطرة  عليها للأسواق والشركات المتعددة الجنسية  التي ليس لها ولاء لأية دولة قومية ".  ومنهم من يقول " إنها حرية حركة السلع  والخدمات والأيدي العاملة و رأس المال   والمعلومات عبر الحدود الوطنية والإقليمية "  .  و يفرق آخرون بين العولمة والنظام الدولي " الذي هو تعاون  بين دولة  ودولة أو بين عدة دول بينما " العولمة " هي " تعاون"  بين جميع الدول والمؤسسات و غيرها في نطاق مصالح متبادلة. كما هي أيضا  تبادل شامل وواسع بين  مختلف أطراف العالم  يتحول العالم بموجبه إلي مجال تفاعلي للإنسانية  جمعاء . كما تجسم  نموذج الغرفة الكونية التي  تربط بين  الناس والأماكن  ملغية المسافات و هي أيضا مجال المعلومات  بشكل شامل غير مقيد خاصة في ضل ثورة الأنترنات والاتصالات التي لم يشهد لها العالم مثيلا منذ فجر التاريخ . فهي نظام عالمي جديد يقوم على  العقل الإلكتروني والثورة  المعلوماتية القائمة  على المعلومات والإبداع  التقني غيرالمحدود دون أدنى اعتبار للحضارات والقيم  والثقافات والحدود الجغرافية والسياسية للدول  . كما تجسم  حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز و بقيادتها وتحت سيطرتها ، و في ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ " وما يجدر بنا التركيز عليه هو تعدد المناهح التي تطرقت الى هذه الظاهرة التي لايمكن حصر مفهومها دون الخوض في تجلياتها وأبعاها من عدة جوانب ومقاييس .

 نشأة العولمة و تطورها

شاع استخدام  العولمة  في السنوات الأخيرة و تسارع نسقها  في  الثمانينيات، وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي  .يذكر الدكتور  جورج  طرابيشي عن العولمة أنها الظاهرة التاريخية لنهاية القرن  العشرين  أو لبداية القرن  الواحد والعشرين   مثلما كانت  القومية  في الاقتصاد والسياسة وفي الثقافة هي الظاهرة  لنهاية القرن التاسع  عشر و بداية القرن العشرين . فهي بالتالي انتقال بين قرنين زمنيين .و يرى الدكتور برهان غليون  " أن هذه الظاهرة  هي  تطور طبيعي  للحضارة  منذ أقدم  الحقب التاريخية ، حيث  انتقلت  تقنيات الثورة  التقنية الأولى  المسماة  بالعصر الحجري ، تم التقنيات  المرتبطة بالعصر الحديدي فالزراعة والتي بدأت من عدة آلاف السنين  قبل الميلاد… و هكذا ، أي يضع  الدكتور غليون هذه الظاهرة  ضمن سياقها التاريخي ، و لكن ما يميزها هو كثافة المبادلات بين  البلدان والمناطق و سرعة الانتشار .و قطاع  التمويل والعمليات المالية  والمعلوماتية والثقافية  و كذلك  الأسواق ثم وفي هذا الاتجاه حاول رولاند روبرنسون (3)  أن يرصد المراحل  المتتابعة  لتطور العولمة وامتدادها عبر المكان والزمان ، و صاغ  نموذجاً  قسمه إلى  خمس مراحل هي :

المرحلة الجينية :  استمرت في أوربا  منذ بواكير القرن الخامس عشر حتى  منتصف  القرن  الثامن عشر ،  و أهم ما شهدته هذه المرحلة  نمو المجتمعات القومية كما تعمقت الأفكار الخاصة بالفرد و الإنسانية .

* مرحلة  النشوء:  استمرت  في أوربا أساساً في منتصف القرن الثامن  عشر حتى عام  (1870م)  حيث حدث تحول  حاد في فكرة الدولة المتجانسة الموحدة  ، و أخذت تتبلور المفاهيم  الخاصة بالعلاقات الدولية .

 1- القرن  الماضي  حيث  شهدت  هذه المرحلة  منافسات  كونية مثل الألعاب الاولمبية  و جوائز نوبل ،  و تم تطبيق  فكرة الزمن العالمي ، ووقعت في هذه المرحلة  الحرب العالمية  الأولى ،  و أنشئت عصبة  الأمم .

2- مرحلة الصراع من أجل الهيمنة : استمرت هذه الرحلة من العشرينيات حتى  منتصف الستينيات  و بدأت  الخلافات  والحروب الفكرية  حول المصطلحات الناشئة الخاصة بظاهرة العولمة التي  بدأت في مرحلة الانطلاق ، و كذلك  بروز دور الأمم المتحدة  والصراعات الكونية ، و إلقاء القنبلة الذرية على اليابان .

3- مرحلة عدم اليقين : بدأت منذ الستينيات و أدت إلى  اتجاهات و أزمات  في التسعينيات  و شهدت المرحلة  نهاية الحرب الباردة و شيوع الأسلحة الذرية  وزادت  إلى  حد كبير المؤسسات  الكونية  والحركات العالمية وتواجه المجتمعات الإنسانية اليوم مشكلة تعدد السلالات داخل المجتمع نفسه و ظهرت حركة حقوق المدينة ، و أصبح النظام المدني أكثر تعقيداً ، و زاد الاهتمام في هذه المرحلة بالمجتمع المدني العالمي ، و المواطنة العالمية ثم تدعيم الإعلام الكوني .

    ومع ذلك هناك من يعارض هذه التقسيمات الزمنية، ويعتبر أن العولمة في الحقيقية هي  نظام عالمي جديد له أدواته و وسائله وعناصره وميكانزماته mecanismes، وهو حصيلة المنجز السريع  والمتنوع  للإنسان في دخوله لقرن جديد .بينما يرى  د/ مسعود ظاهر في مؤلفه صدام الحضارات أن " نظرية العولمة ليست سوى الوجه  الآخر  للهيمنة  الإمبريالية  الاستعمارية على العالم  تحت  الزعامة المنفردة للولايات المتحدة  الأمريكية . ومن الملاحظ هنا أن مصطلح العولمة أو " الكوننة " أو " الشولمة " بات من المصطلحات الأكثر رواجاً في نهاية القرن العشرين ، علماً أن بداية ظهور هذا المصطلح كان في أواسط الستينيات بفضل مؤلفين شهيرين : الكتاب الأول لمارشال ماك لوهان و كنت فيور . وينطلق من تجربة فيتنام ، و الدور الذي لعبه الإعلام فيها ، ليستنتج بأن الشاشة الصغيرة حولت المواطنين من مجرد مشاهدين إلى مشاركين في اللعبة ، الأمر الذي أدى إلى اختفاء الحدود بين المدنيين و العسكريين . و يضيف ماك لوهان بأن الإعلام الإلكتروني ، في وقت السلم ، يجعل من التقنية محركاً للتغيير الاجتماعي . و في الكتاب الثاني لبريجينسكي ، فضل وقتها مصطلح " المدينة الكونية Global "وليس القرية الدولية ، حيث يتزواج الكمبيوتر بالتلفاز بالهاتف بالاتصالات اللاسلكية و يحول العالم إلى " عقدة علاقات متشابكة و متداخلة ، عصيبة متوترة و متحركة " كما يلخص البعض مراحل نشأة العولمة بالمراحل الآتية :

مراحل نشأة و تطور العولمة

 

الفترة الزمنية المرحلة
بعد الحرب العالمية الثانية مع اتفاقيات بريتن وودز والغات

المرحلة الأولى

نهاية الخمسينات وتزايد تحرير التجارة العالمية وظهور التكتلات الاقتصادية كالاتحاد الاروبي المرحلة الثانية

منتصف السبعينات و نتائج جولة  طوكيو لتحرير التجارة في الخدمات

المرحلة الثالثة
نهاية الثمانينات ومنذ فترة التسعينات مع انهيار الاتحاد السوفياتي والتحول الى اقتصاد السوق المرحلة  الرابعة

 أسباب العولمة

تتجسد  أهم الأسباب التي ساهمت في بروز ظاهرة العولمة  في نهاية الحرب الباردة  و تفكك الاتحاد  السوفيتي الذي كان يشارك الولايات المتحدة في زعامة العالم وتفردها اي الولايات المتحدة بهذه الزعامة . ثم  انهيار الأسوار الحديدية التي كانت  تحتمي بها الدول  الشيوعية المعاصر لكل تعتيم تحاول  بعض الأنظمة  في العالم  القيام به . مع  وجود فائض من الإنتاج العالمي  في الدول الصناعية  والحاجة القصوى إلى تسويقه خارج حدود هذه الدول ، و انحسار المد الاستعماري جعل  تصدير السلع يتقلص إلى  المستعمرات وكان لا بد لهذه الدول الكبرى من التفكير في منهج إنتاج  يفرض نفسه على الدنيا  بشتى  الوسائل ويروج سلعه و فائض إنتاجه  فكانت العولمة. اضافة الى ضرورات تنقل رؤوس الأموال  بحثاً عن الاستثمار والربح المضمون  فتطلب ذلك بحثا عن الأسواق العالمية  حيث اليد العاملة الرخيصة  في  آسيا / و إفريقيا و بهدف  تنقل  رأس المال  تنقلاً حراً  لا تحده حدود ولا قيود إدارية  روتينية  قاتلة . ، فالعالم  عبارة  عن قرية  صغيرة  انعدمت  فيه المسافات  و سقطت فيه القيود والحواجز . ثم  التطورات  التكنولوجية و ثورة الاتصالات والإلكترونيات . مع التوجهات الاقتصادية  العالمية المنبثقة عن اتفاقية منظمة  التجارة العالمية . ثم  مؤسسات التمويل الدولية ورغبة الدول في تحويل ديونها و مساعداتها إلى  استثمارات في الدول  النامية . وأخيرا  أسباب  اقتصادية و سياسية و ثقافية و اجتماعية أخرى .

مجالات العولمة

 تشمل العولمة  مجالات متعددة من الحياة منها : السياسية والثقافية والتقنية والاقتصادية.

1-    العولمة السياسية : أبرز مظهر للعولمة السياسية  ما حدث من تغيير ملحوظ في قوة الدولة  إذ بدأ  دورها يتضاءل وصار الخضوع  لرؤوس الأموال أمراً  تقتضيه الحكمة  السياسية ،  وتتساوى في ذلك جميع الدول ، بل صار رأس المال يتحكم في الخيارات السياسية ، ويقرر القرارات  قبل أن تصل إلى الدولة ، و أصبحت الشركات العملاقة  متعددة  الجنسيات  تحل  تدريجياً محل الدولة ، و قفزت فوق أسوارها بل  أخذت هذه الأسوار تفقد قيمتها الفعلية . كما برز سقوط الشمولية و السلطوية ، و النزوع إلى الديمقراطية والتعددية السياسية و احترام حقوق الإنسان ، بالإضافة لذلك ظهرت مشكلة ازدواجية المعايير في تطبيق قواعد حقوق الإنسان بسبب مشكلة هيمنة الدول الكبرى على مجلس الأمن و الأمم المتحدة . 

2-    العولمة الاتصالية النقنية : التي تبرز من خلال البث التلفزي عن طريق الأقمار الصناعية ، و بصورة أكثر من خلال شبكة الإنترنت التي تربط البشر في كل أنحاء المعمورة ، وتتمحورحول الإنترنات عدو استفسارات هامة  لكن بروزها و انتشارها يؤدي إلى ثورة معرفية في تاريخ الانسانية .

3-    العولمة  الثقافية :  العولمة  من هذا المنطلق هي تداخل واضح في الشؤون الاقتصادية  والاجتماعية والثقافية والسياسية دون اهتمام يذكر بالحدود السياسية  للدول ذات السيادة  أو انتماء إلى وطن محدد أو لدولة  معينة و دون حاجة إلى إجراءات  حكومية . فالعولمة الثقافية هدفها إشاعة متعة زائفة على الحياة  وهو مفهوم  شمولي يشمل  اللباس والترفيه وأسلوب الطعام والطراز المعتمد في  جو مصمم لهذا الفرض كما يشمل العولمة  التأثر بالرسومات  لتغيير  نمط التفكير والذوق وهي تفرض سيطرة القوى فالمغلوب مقتد بالغالب . والعولمة هي محاولة  للحد من  المظاهر الإنسانية  وإزالة  خصوصيات  كل دولة  وقد  تمسَّـك بعض المفكرين والساسة و رجال الاقتصاد  بتنفيذ مخطط العولمة  ووجدوا الظروف مهيأة لإدخال العالم و تراثه و حضاراته تحت سيطرة  فكر واحد وحضارة واحدة ،  و قد ساعدهم على ذلك  ضعف  البنية الثقافية  الوطنية ، وفقدان تمسك المسلمين بهويتهم وثقافتهم  . فالثقافة الاستهلاكية التي  تبثها عشرات الأقمار الصناعية  على مئات القنوات  الفضائية التي  باتت تعمم الثقافة  الفردية القائمة على الفلسفة البرغمتية المادية  في  ترويج  لا مثيل له  لثقافة  الاستهلاك التي  تزيف الوعي بالإعلام  المضلل المروج  لنمط من الحياة  بعيداً عن القيم السامية  والمثل العليا . و السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل تؤدي هذه الثقافة العالمية – حال قيامها و تأسيسها إلى العدوان على الخصوصيات الثقافية ؟ مما يهدد هويات المجتمعات المعاصرة . وهو لاشك سؤال يمس أدق خصوصيات الهوية لكل أمة .

4-    العولمة  الاقتصادية :  برز مفهوم  العولمة الاقتصادية  حديثا نتيجة التطور التكنولوجي و شهدت فترة  التسعينيات من القرن العشرين  نقطة  تحول بارزة  في النظام الاقتصادي العالمي والعلاقات الاقتصادية الدولية فبعد انهيار النظام الاشتراكي  سادت  النظرية الاقتصادية الغربية التي  تعتمد على اقتصاد السوق والمنافسة ، و تعظيم دور القطاع  الخاص ،  وتقليص دور قطاع الاتصالات في العالم ،و اتساع نشاط التجارة بين الدول ،  فالعولمة الاقتصادية تمثل الانفتاح الاقتصادي ، والمنافسة في الأسواق ، و توسيع الأسواق ، والنمو المتسارع  لتبادل السلع والخدمات، واستخدام  التكنولوجيا و حركة  رؤوس الأموال عبر الدور العام في النشاط الاقتصادي . هذه التجليات الاقتصادية تظهر بوجه خاص من خلال عمل التكتلات الاقتصادية العالمية ، و إنشاء منظمة التجارة العالمية و نشاط الشركات الدولية ، و المؤسسات الدولية الاقتصادية كالبنك الدولي و غيره ، وقد انفرد النظام  الاقتصادي الرأسمالي في تشكيل النظام الاقتصادي الدولي وفق مجموعة من الاسس منها    إحلال اقتصاد السوق الحر محل الاقتصاد  الموجه و  تحرير أسعار الخدمات من التدخل الحكومي و ترك مهمة تحديد الأسعار لآليات السوق الحر . ثم   إلغاء الدعم  السلعي  والخدمي بكافة  صوره المباشرة و غير المباشرة  لتعكس الأسعار  القيمة الحقيقية للسلع والخدمات و عناصر الإنتاج .  مع   تحرير التجارة الخارجية من القيود الجمركية ، والكمية ، والإدارية بما يحقق انسياب السلع بين الدول و فق مبدأ  المنافسة  الحرة .  وتحرير و تعويم أسعار صرف العملات المحلية ، و ترك  تحديد سعر الصرف  لقوى العرض والطلب في  السوق  النقدية .  ثم تحرير أسعار الفائدة  في سوق  النقد  و ترك  تحديد سعر الفائدة  وفقا لقوى العرض والطلب على  النقود . وأخيرا خصخصة القطاع العام ، و تقليص  دوره في النشاط الاقتصادي و تفعيل دور القطاع الخاص ليكون له  الدور الفعَّال في النشاط الاقتصادي والاستثمار الإنمائي .

الملامح الاقتصادية  الرئيسة للعولمة

من أبرز الملامح إعادة بناء الاقتصاد العالمي باتجاه  تقسيم العمل والتخصص . وانهيار الحواجز السياسية  والجغرافية  أمام حركة  التجارة . مع  تناقص دور الدول في المسيرة الاقتصادية و تبني برامج الخصخصة . ثم الانخفاض الحاد في تكاليف النقل والاتصالات السلكية  واللاسلكية . وتزايد دور التجارة الإلكترونية ونسبتها إلي إجمالي التجارة العالمية التي فاقت مبادلاتها حاليا 300 مليار دولار و النمو المتسارع في قطاع الخدمات على حساب القطاعات الأخرى. مع  سيطرة الشركات متعددة الجنسيات على التجارة العالمية ( تسيطر حاليا على حوالي40% من حجم التجارة العالمية ). و تبنى غالبية الدول لبرامج إصلاح وهيكلة اقتصادية . واندماج و توسيع أسواق رأس المال العالمية . ثم  ثورة  تكنولوجية هائلة  تتسارع بخطى متلاحقة . كما  أضحت المعرفة أحد أهم عوامل الإنتاج في إطار بروز اقتصاد المعرفة الذي تقوم عليه أغلب الاقتصاديات العالمية اليوم . و انهيار نظام النقد الدولي  و تزايد الأزمات الاقتصادية  و سرعة انتشارها . مع تعدد الثقافات المتداولة و حرية الأديان . وانتشار القيم الثقافية والاجتماعية الرأسمالية في الدول النامية . واندثار الخصوصيات الثقافية و أنماط الاستهلاك التقليدية . كما  أصبح معدل نمو التجارة العالمي أعلى من معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي .

إن العولمة الاقتصادية نتاج الفكر الرأسمالي الذي يقوم أساساً على قدرة رأس المال على الحركة دولياً ودون عراقيل  روتينية إدارية أو سياسية. ومن مظاهر العولمة الاقتصادية ظهورا لشركات  متعددة الجنسيات التي تتميز بفائض إنتاجي ضخم ، ونشاط استثماري واسع يشمل دولاً متقدمة أو نامية على السواء ، كما تتميز هذه الشركات باحتكارها للتقنية الحديثة ، التي توجد مراكزها الرئيسة في عدد من الدول المتقدمة صناعياً مثل الولايات المتحدة الأمريكية ، ودول غرب أوربا   واليابان وهذه الشركات مسؤولة عن أكثر من (80%) من الاستثمارات  الأجنبية المباشرة على مستوى العالم . كما دعمت وزن البلدان المتقدمة في التجارة العالمية  فاق الثلثين .

آثار العولمة الاقتصادية

إن العولمة لا تؤثر في النواحي الاقتصادية فقط إنما يمتد تأثيرها إلى حياة الإنسان بكل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية ومن آثارها أنها  تعمل على زيادة العلاقات الاقتصاديـة العالميـة و الحـد  مـن  الاستقلاليـة السـياسيــة والاقتصادية للدول بخاصة  في مجال التجارة الخارجية والجمارك والسياسة النقدية والمالية . كما  تساهم العولمة في تحقيق النمو الاقتصادي وزيادة الكفاءة الإنتاجيـة و التنافسية مما يســاهم في تخفيض مستوى الفقر على المستوى العالمي في الأصل الطويل ، فتأثيرالعولمة يختلف من دولة لأخرى تبعاً لاختلاف النمو الاقتصادي ، فعلى سبيل المثال انخفض مستوى الفقر في جنوب شرق آسيا نتيجة تحقيق معدل عال للنمو الاقتصادي   وزيادة الإنتاج في الصناعات الموجهة للتصدير مما أدى إلى ارتفاع مستويات الأجور مع زيادة تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة  والتي تسهم  في تمويل  استثمارات إنتاجية وزيادة الإنتاج و الصادرات. كما تعمل العولمة على تغيير دور الدولة و إفساح المجال أمام القطاع الخاص ليقوم بدور أساسي في النشاط الاقتصادي مما يتطلب من الدولة تحديث القوانين والأنظمة الاقتصادية وتطويرها أيضا  تعمل العولمة الاقتصادية على تحرير التجارة و تحقيق المكاسب من خلال  إقامة المناطق الحرة  و الاتحادات الجمركية، مثال الاتحاد الأوروبي . مع  ترسيخ الفوارق بين الدول المتقدمة و التي تمـلك الأموال  و التكنولوجيا المتقدمة  وبين الدول النامية المصدرة للمواد الأولية و الطاقة . مع   إعادة توزيع للمصادر البشرية من خلال انتقال العنصر البشري من مكان آخر.

تحليل عام للعولمة

 ترتبط عناصر القوة بسهولة انتقال التكنولوجيا والمعرفة وتدفق الاستثمارات الاجنبية المباشرة وانخفاض تكاليف النقل السلكية واللاسلكية والاستفادة من التجارة الالكترونية . أما نقاط الضعف فتتمثل في التهديدات التي ترتبط بها منها سهولة انتقال الأزمات الاقتصادية والمنافسة غير المتكافئة مع منافسين أقوياء مع اعتماد البلدان النامية على صادرات المواد الخام ذات القيم المضافة المنخفضة مع مخاطر التعامل التجاري وعدم وجود ضوابط تحكم تأثيرات وانعكاسات العولمة السلبية  أما الفرص التي توفرها فهي تحسين نوعية وجودة الانتاج وزيادة حجم الصادرات والاستفادة من مزايا مناطق التجارة الحرة . من التهديدات زيادة تدهور أسعا ر المحروقات والمواد الخام رغم ارتفاعها في المدة الأخيرة بسبب الكوارث والحروب وانخفاض مساهمة التجار بالبلدان النامية وخاصة العربية في اجمالي المبادلات العربية مع زيادة تهميشها ويعتبر العالم العربي نموذجا حيا على ذلك .

 انعكاسات العولمة على الوطن العربي

 على الاقتصاديات العربية

 من خلال تحليل سريع لواقع الوطن العربي يلاحظ أن المنطقة العربية لم تتمكن من تحقيق التنمية التي تتماشى مع طموحات شعوبها ،ويعود ذلك لانخفاض أداء القطاع العام وضعف مشاركة  الأفراد في عملية التنمية ، وقصور المنظومة التعليمية  والبحث العلمي عن الحاجة الفعلية ، والتبعية التجارية والمالية والتكنولوجية وعدم تمكنه من توظيف إمكاناته وطاقاته للاستفادة من الفرص المتاحة بالأسواق  المحلية . وتواجه الدول العربية في الوقت الحالي نوعين من التحديات أولهما  تدويل الإنتاج وتحرير التجارة والخدمات وتعزيز التكتلات الإقليمية بهيكلية جديدة . والثاني مستجدات المرحلة الحالية بعد إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي و إمكانية الدخول في مرحلة سياسية و اقتصادية جديدة للمنطقة  .فالمرحلة الأولى وما يرافقها  من تحديات تتمثل في زيادة المنافسة الدولية ، وتقليل فرص وصول المنتجات العربية إلى الأسواق الخارجية ، إضافة  إلى التقدم التكنولوجي في مجالات الاتصالات والإلكترونيات . أما التحدي الثاني فإنه يثير قضايا  تستوجب إيجاد ترتيبات عربية تكاملية بعيدة عن المصالح القطرية الضيقة ، واستغلال الموارد الاقتصادية العربية الاستغلال الأفضل وحرية انتقال السلع والخدمات ورؤوس الأموال بين الدول العربية ،فالمرحلة الحالية هي مرحلة التكتلات الاقتصادية والمنافسة ، لأن مفتاح دخول العالم العربي في العولمة  يكمن في تطوير أسلوب العمل العربي المشترك حتى ينجح الوطن العربي في بناء منطقة تجارية حرة وشبكة مصالح اقتصادية بين الدول العربية وتبني استراتيجية عربية متكاملة لتعزيز الموارد الذاتية للاقتصاديات العربية . وقد بدأ اهتمام الدول بالتعاون الإقليمي منذ إنشاء  الجامعة العربية ، وفي إطار الجامعة العربية تم التوقيع على اتفاقيات تسهيل التبادل التجاري ، وإنشاء مجلس الوحدة الاقتصادية ، وإنشاء صندوق النقد  العربي، واتفاقيات لضمان الاستثمار العربي وانتقال رؤوس الأموال بين الدول العربية. وشهدت فترة السبعينيات حركة هامة لانتقال العمالة ، ورؤوس الأموال بين الدول العربية ، إلا أن التجارة العربية البينية ظلت محدودة ، وفي فترة الثمانينيات والتسعينيات تراجع مستوى التعاون الاقتصادي العربي .وتمثل التعاون العربي في إلغاء القيود والحواجز بين البلدان  العربية ، وإنشاء المشاريع المشتركة، بالإضافة إلى  محاولات إنشاء تكتلات إقليمية عربية من أهمها مجلس التعاون الخليجي ، واتحاد دول المغرب العربي ،  ومجلس  التعاون العربي . و يمكن تلخيص انعكاسات العولمة على اقتصاديات الوطن العربي في  التوجه للدخول في تكتلات اقتصادية دولية وإقليمية .  و  إعادة هيكلة السياسيات المالية والاقتصادية والتجارية والنقدية . مع  زيادة معدل نمو التجارة العربية بشكل أكبر من معدل نمو الناتج . كما تجدر الإشارة إلى انخفاض نصيب الدول العربية من الاستثمارات الدولية . ومحدودية  التجارة الإلكترونية. وكذلك  نمو قطاع التجارة والخدمات  مع تزايد  معدلات الفقر والبطالة. رغم  الانضمام أو السعي للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية. و إعادة هيكلة أسواق رأس المال العربي. وسهولة  التأثر بالأزمات الاقتصادية العالمية. إضافة إلى    انخفاض أسعار المواد الأولية. مع فشل سياسة إحلال الواردات والتوجه نحو النمو المبني  على التصدير.

 تأثير العولمة على الثقافة العربية

تعرف الثقافة بأنها جميع السمات المادية والروحية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه  أو فئة اجتماعية ، وهي تشمل الفنون الآداب وطرق الحياة ، بالإضافة إلى  الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات . ومن الاساسيات في الثقافة والعولمة   عدم وجود ثقافة عالمية واحدة بل ثقافات متنوعة تعمل كل منها بصور تلقائية. أما  العلوم  و التكنولوجيا فهما  عنصران من عناصر الثقافة وبالتالي فإن عدم امتلاكهما والاضطرار إلى استيرادهما من الخارج لا يمس بالهوية الوطنية والقومية ، غير أنه عندما يتحولان إلى وسيلة تستغل من قبل الدول المصدرة للتكنولوجيا والمعرفة لاختراق ثقافات أخرى فإن الأمر يختلف ، وهنا يبرز الاختراق الثقافي وتظهر الحاجة إلى التوازن عند الانفتاح على العالم الخارجي . من الثقافات ما يميل إلى الانغلاق ومنها ما يسعى  إلى الانتشار والتوسع. والثقافة التقليدية التي تتميز بالجمود ومقاومة التجديد. بينما الثقافة العصرية  تميل إلى الانفتاح على العالم الخارجي . و هناك أمثلة عديدة للتأثير بين التكنولوجيا و الثقافة العامة للمجتمع ، و هو ليس تأثيراً سطحياً كما يقول بعضهم ، بل هو تأثير عميق و قوي يتصل بالأبعاد الثقافية المختلفة للمجتمع  وما نستورده من الغرب ليس مجرد منتوجات أو آلات ، بل سلوك و قيم و معايير، وبقدر احتياجنا لاستيراد تلك المنتوجات ، فإننا نستورد معها الأفكار والفلسفات ، وقد لا يتم ذلك برغبتنا و لكنه واقع الانفتاح و التطور . و من البديهي أن الثقافة المصدرة لن تكن محايدة و لن تتصف بالعالمية ، بقدر ما هي تصدير لثقافة الأقوى ، هنا ستكون العولمة هي الظاهرة المتسيدة و ليست العالمية وثمة فوارق بين كلا المفهومين .فبينما تتحقق العولمة في تنميط الشعوب و توحيد الأذواق ، و فرض الاختيارات بالقوة والتهديد ، بما يغذي النزاعات العدائية بين الأمم و الحضارات تتقدم العالمية لتقريب العالم ، ويتفاعل كل عالم من العوالم إيجابياً في رسم اللوحة العالمية . إذن نحن أمام محاولات هيمنة و تعميم الهوية الثقافية ، و لهذا علينا دعم أدوات التفاعل مع الحضارات الأخرى ، و أن نتحول من حالة الاستقبال و الانتظار السلبي إلى فاعلية الإرسال و الاستقبال ، سيكون في ذلك فائدة ليس لنا فحسب بل للعالم أجمع ، إذ إن ثمة ضرورة لتعدد الثقافات في العالم و تباينها حسب مصلحة الإنسانية . 

ومن الوسائل الناجعة للتأثير على الثقافة العربية  تقنيات الاتصال من أبرزها الأنترنات ثم نجد السياحة والاستثمار الاجنبي المباشر و العلاقات التجارية الدولية و  وسائل الإعلام المختلفة. مع  الهجرات و الدراسة في الدول الأجنبية ثم  التغيرات الاقتصادية ( الفقر، البطالة ، تكنولوجيا الإنتاج .... )  و  التغيرات السياسية ( حقوق الإنسان ، الديمقراطية ، التعددية السياسية) . أما أهم انعكاسات العولمة على الثقافة العربية فتتمثل في   تغير القيم والسلوكـات الاستهلاكية أي التركيز على العلامات التجارية العالمية وانتشار السلوكيات الاستهلاكية الغربية . مع  سيادة مستويين من الثقافة هما الثقافة الشعبية التي استطاعت حماية القيم والتقاليد من الاختراق الغربي ، رغم  قصورها عن خلق ثقافة التجديد  ثم الثقافة العالمــــيــــة  وقد تمكنت من خلال الانفتاح على الثقافات العربية إلا أن ذلك لم  يحل دون المس بالقيم والتقاليد العربية والإسلامية . هذا مع  وجود مستويين من الثقافة أدى إلى زيادة الفجوة الثقافية بين مناطق الريف والحضر في العالم العربي . مع الاتجاه نحو فصل الثقافة عن السياسة . وتهديد مباشر للغة العربية ، حيث أصبحت  اللغة الإنجليزية هي اللغة التجارية الرسمية في معظم الأحيان حتى في التجارة العربية البينية أو داخل الدولة نفسها . إلى جانب تأثر القيم والمعتقدات الثقافية العربية بالعولمة أدى إلى فقدان الثقافة العربية القدرة  على تحقيق التجديد المتوازن للثقافة العربية  الأمر الذي يهدد الفنون و الآداب العربية كما أدى انتشار شبكات الإنترنت والأقمار الصناعية والاستخدام غير المتوازن لهما إلى انحراف الثقافة عن القيم والمعتقدات الإسلامية. وفي هذا المجال يجب عدم إغفال أهمية شبكات الإنترنت في دعم وتعزيز التعاون والتبادل الثقافي العربي . مع  سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على قنوات الإعلام الثقافي أدى إلى تدعيم الاختراق الثقافي الذي يتعرض له العالم  العربي. مع  تغير سلوكيات الحياة العربية (المأكل، المشرب، الملبس، طرق التفكير والحياة ) وانخفاض الاهتمام  بالجوانب الروحية للحياة ، والتركيز على الجوانب المادية . مع تأثر وسائل الإعلام العربية بوسائل الإعلام العالمية وقصورها عن حماية وتجديد الثقافة العربية. إضافة إلى  انتشار مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ومنح مزيد من الحريات. مع تنامي ظاهرة النشر الإلكتروني، حيث أصبحت أحد  أهم العوامل المؤثرة على الثقافة العربية وخصوصياتها حيث تشير أحدث الدراسات التي قامت بها اليونسكو إلى أن التجارة العالمية في السلع والمحتويات الثقافية ( الموسيقي والفنون  التشكيلية ، وأفلام السينما وأجهزة الفيديو والتلفزة) تضاعفت من 67 مليار دولار عام 1980 إلى (200) مليار دولار عام 1997.

كيف نقف تجاه  العولمة كحتمية وكظاهرة تخفي ماهو ايجابي وسلبي

 ذهب بعضهم  الى أن العولمة تتضمن جوانب حتمية لا سبيل الى العيش خارجها  لأن تقنياتها تقتحم الأسوار العالية   وتتسرب عبر الهوائيات وغيرها ، والقيم عندما تتسرب لا تدفع إلا بقيم أقوى وأرسخ و يقول أحد المفكرين . إن كل جهد الغرب  في القرنين الآخرين كان مبذولاً لخلق الإيمان بالغرب ، وعدم الإيمان بالذات ، حتى تغدو الحضارة الغربية حالة طبيعية تقريبا ، من يتصف بها فهو إنسان طبيعي ومن ينحرف عنها فهو إنسان غير طبيعي وشاذ. أما من وجهة النظر الايجابية للعولمة التركيز على قيم العدل وحقوق الإنسان والقانون والشرعية الدولية في سياق التوجهات العالمية الجديدة وهذه المبادئ والقيم من صميم رسالة الإسلام الخالدة والأمة الإسلامية أولى الأمم التزاما بهذه  القيم والتي تعمل بمقتضاها وتعمم إشاعتها ومن إيجابياتها أيضا أن هناك مشا كل إنسانية لا يمكن حلها من منظور السيادة الوطنية المطلقة للدولة التي يقوم عليها النظام الدولي القائم حتى اليوم منها: انتشار أسلحة الدمار الشامل والتهديدات النووية والبيئية ، وتطور الأوبئة والأمراض المعدية وانتشار الجريمة والمخدرات. فمن وجهة نظر المحللين العولمة تسهم في توزيع الثروة والقوة وتضمن الأمن الدولي وتشجع الرفاهية الاجتماعية ، وتحمي البيئة وحقوق الإنسان ، وتعزز الديمقراطية   والتعددية ، وتسهم في توزيع القوى الاقتصادية وتعزز المؤسسات الوظيفية و السياسية للمجتمع الدولي. ، وتؤدي أيضاً إلى تحرير أسواق التجارة ورأس المال وتزيد من حجم التجارة والإنتاج المحلي والعلمي وفتح أبواب التنافس الحر ولا سيما في مجال التجارة وكذلك إلى نشر الثقافة الحديثة وسهولة الحصول على المعلومات... أما من وجهة النظر السلبية   فمن أهم عيوب العولمة الواضحة ازدواجية معاييرها ، فحقوق الإنسان والشرعية الدولية كثيرا ما تزدوج فيها المعايير ، وتتدخل الفلسفة البراجماتية في رسم هذه التوجهات وفي ضبط هذه القيم . وخطر العولمة يهدد كيان الحضارات الإنسانية ، ويدفع لنشوء حضارة جديدة تعتمد على طغيان رأس المال وجبروته ،  وهذا الخطر سيهدد العالم العربي والعالم الإسلامي باعتبارهما منطقة استهلاكية ضعيفة متخلفة . ومن السلبيات الاجتماعية الناتجة عن العولمة ذوبان الطبقة الوسطي هذه الطبقة التي تقود مختلف التغيرات في العالم ، لأن الطبقة الغنية تحافظ على امتيازاتها فهي تريد الإبقاء على ما كان كما كانت حريصة على استمرار منافعها  من الوضع القائم . إن الطبقة الوسطى في نظام العولمة  ،  وفي  ظل خصخصة المؤسسات الصناعية والتجارية ستنزل إلى الطبقات الفقيرة ، وسيزداد الفقر وستكون الدولة عرضة لإملاءات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة  العالمية وتتدخل هذه المؤسسات العالمية في السياسة الاقتصادية وحتى الاجتماعية . ويرى بعض الباحثين أن دبلوماسية هذه المؤسسات الدولية أصبحت بديلا لدبلوماسية البوارج التي عرفتها مطالع القرن التاسع عشر. فالمعارضون للعولمة يرون أنها تهدف الى     الهيمنة على اقتصاديات العالم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية من خلال السعي لسيطرة الاحتكارات والشركات الأمريكية الكبرى على اقتصاديات العالم. و التحكم في مركز القرار السياسي وصناعته في دول العالم. و إلغاء النسيج الحضاري والاجتماعي للشعوب. مع  تدمير الهويات القومية والثقافة القومية للشعوب. و زيادة الدول القوية غنى، بينما تزداد الدول الفقيرة فقراً. هذا الى جانب  القضاء على الهوية الثقافية وعلى تراث الأمم والشعوب الفكرية والحضارية. و فرض السيطرة بأنواعها على الشعوب بقصد نهب ثرواتها واستغلالها...

تونس و نظام العولمة

مواكبةً لهذه التطورات الدولية ، و تمشياً مع سياسة الانفتاح الاقتصادي و نظام الاقتصاد الحر الذي تتبناه الدولة التونسية  فقد انضمت الدولة لمنظمة التجارة  العالمية  لتكون عضوا  في النظـام العالمي الجديد  و لتجني الفـوائد الاقتصـاديـة الإيجابية للعولمة و لتتفادى السلبية في حال تخلفها عن الانضمام .

فما الإجراءات والأهداف  التي تسعى تونس إلى تحقيقها من جراء انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية؟

من الإجراءات تطبيق برنامج إصلاح هيكلي يهدف الى دعم المبادرة الخاصة في المجال الإقتصادي وتحرير الاقتصاد وتهيئة المؤسسات الإقتصادية التونسية لمواجهة المنافسة العالمية برفع القيود على التوريد واعتماد اقتصاد السوق ةتشجيع الاستثمار الخاص الأجنبي والمحلي والتجاه نحو الخوصصة مع توفير الاطار القانوني الملائم للاستثمار المحلي والأجنبي والسلم الاجتماعية مع تطبيق سياسة التاهيل الشامل للمؤسسات لمجابهة المنافسة في اطار عقد الشراكة مع الإتحاد الأروبي في 17 جويلية 1995 تقضي بتركيز مجال للتبادل الحر بين الطرفين في أجل 12 سنة وهي أول اتفاقية يوقعها التحاد الأروبي مع بلد غير اروبي من حوض المتوسط .

دعم البنية الأساسية والتجهيزات اللازمة للصناعات مثل تهيئة المناطق الصناعية عن طريق الوكالة العقارية الصناعية واحداث المناطق الحرة قرب بعض المواني مثل بنزرت وجرجيس  مع دعم التطوير التكنولوجي بتنظيم صندوق النهوض والتحكم في التكنولوجيا . أما على المستوى الفلاحي تحرير أسعار المواد الفلاحية ودعم مساهمة الفلاحة في الصادرات بتحرير تجارة المواد الفلاحية وتشجيع التصدير واقتحام الأسواق الخارجية و تدعيم ارتباط المؤسسات بمختلف أصنافها بشبكة الأنترنات وكذلك على مستوى الأشخاص وبالتالي تحقيق مزيد من الاندماج والتواصل عالميا  ومن اهداف ذلك :

·        المشاركة في صناعة القرارات و السياسات التجارية لمنظمة التجارة العالمية.

·   توفير الفرص للصناعات و الصادرات الوطنية بالوصول إلى الأسـواق العالميـة و إلغـاء القيـود التي تواجه صادرات الدولة في الأسواق العالمية .

·        الاستفـادة  من التخفيضات و التسهيـلات الجمـركية التي تقدمها مجموعة الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية .

·        حماية المصالح الخارجية.

·   جعل تونس مركزاً تجارياً إقليمياً  جنوب المتوسط وفي هذا الإطار نتساءل كيف يمكن لتونس  الاستفادة  من الآثار الإيجابية للعولمة و كيف يمكنها التقليل من آثارها السلبية  ؟  و بشـكل عام  يمكن لاقتصاد تونس الاستفادة من العولمة من خلال تزايد وتيرة التبادل التجاري  مع مختلف  دول العـالم  ، الأمر الذي يؤدي لرفع معدلات النمو الاقتصادي عن طريق نمـو الصادرات الوطنيـة إلى الأسـواق الإقليميـة و الدولية وزيادة الاستثمار الوطني و الأجنبي في الدولة .

·        تنويع مصادر الدخل الذي انتهجته الدولة مما يدل على نجاح السياسة الاقتصادية للدولة للتعامل مع المستجدات المستقبلية بما فيها العولمة .

و للاستفادة من الآثار التنموية للعولمة على الوجه الأكمل لا بد من مواصلة دعم القطاعات الاقتصادية. و تعميق الاعتزاز و الولاء للثقافة الإسلامية و العربية و التعريف  بها و الإسهام في  نشر رسالتها . و مواصلة الحد من  الفجوة بين حياة الريف  و الحضر ،والانفتاح المنظم و المتوازن على الثقافة العالمية . مع تدعيم التعليم والعمل الثقافي المشترك  . وهذه الاجراءات قد تم القيام بها وتدعيمها .

كيف نواجه ظاهرة العولمة؟

يبقى السؤال أين نحن من ظاهرة العولمة التي تدور حولها الندوات و الدراسات وتستعد الدول للتكيف و التعامل معها كأمر حتمي لابد منه ؟

العولمة هي القوة  بمفهومها الشامل ، الاقتصادي ،والسياسي ، والثقافي .... وهي الأساس الذي سوف يصنع أو يصوغ شكل النظام العالمي في القرن الحادي والعشرين فهل نحن مستعدون للمواجهة ؟ و هل لدنيا القوة للتأثير فيه ؟ وكيف ؟

من بين التصورات والتي يندرج بعضها في ميثاق جامعة الدول العربية لابد من تحديد قدرتنا و مشاكلنا في أمر واحد .ثم لا بد من محاولة معالجة هذه المشاكل معالجة موضوعية علمية . ولمواجهة الظاهرة لابد من تحقيق التكامل الاقتصادي العربي و العمل على إنجاح السوق العربية المشتركة و تفعيل السوق العربية المشتركة ، و الاتفاقيات الجماعية . والإسراع في إقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى ، و تحرير التجارة العربية البينية مع تحسين الإنـتاج الزراعي و الصناعي العربـي و تحسـين الخـدمات  بمـا يكفـل لــه المنـافســـــة    والتسويق في الأسواق العالمية. وفتح المجال أمام القطاع الخاص و مبادراته في الاستثمار و الإنتاج و التصدير و إزالة العوائق التي تحول دون تفعيل دور القطاع الخاص. وتحسين أداء و إنتاج المؤسسات الخاصة و العامة و التركيز على الصناعة و التقنية واعتماد البحث العلمي و الابتكار لتطوير الإنتاج و تبني معايير الجودة  وبخاصة معايير الجودة الشاملة والمتميزة لتطوير المنتجات . مع  إقامة المزيد من اتفاقيات التعاون الثقافي بين الدول العربية . مع ضرورة الاهتمام بالبعد الاقتصادي عند وضع برامج التنمية الثقافية ، إذ إن ارتفاع دخل الفرد سيزيد من حجم إنفاقه على التعليم و الصحة .وتكثيف جهود المؤسسات الثقافية العربية لزيادة الوعي الثقافي و بخاصة في مناطق الريف العربي مع حماية اللغة العربية من خلال العديد من الوسائط من أهمها التركيز على التبادل التجاري العربي باللغة العربية ، و تدعيم وجودها في وسائل الإعلام السمعية والمرئية و المقروءة . و تعزيز المقدرة التنافسية للمنتجات الوطنية ، من ناحيتي السعر و الجودة ، لتتمكن من استغلال إمكانات التصدير إلى الأسواق الإقليمية و العالمية التي يتيحها الانفتاح الاقتصادي العالمي ولا شك في أن مواجهة هذا التحدي الكبير لا تأتي إلا من خلال تضافر الجهود على المستويين العام و الخاص. فالقطاع الخاص بامكانه زيادة القدرة التنافسية للمنتوجات الوطنية بالإستمرار في تنظيم و ترشيد عملية الانفتاح الاقتصادي تمشياً مع متطلبات مع تفعيل العضوية في منظمة التجارة العالمية ووفقاً للظروف الاقتصادية و الاجتماعية السائدة بحيث لا تتأثر بعض القطاعات بصورة سلبية نتيجة لذلك . مع الاستمرار في تقديم الدعم للقطاع الخاص  ليكون قطاعاً رائداً في الاقتصاد الوطني عن طريق المزايا والحوافز الممنوحة لتنمية القطاع الصناعي مثل إنشاء المناطق الصناعية الحرة وتوسيع برنامج الأوفست ليشمل مختلف الإمارات  وزيادة رأس مال البنوك الصناعية والإسـراع  في  عملية الخصخصة وتقلـيل مشـاركة القطاع العـام في الأنشـطة الاقتصادية ،  وقيام  سوق  منظم للأوراق المالية . مع العمل على عدم الإفراط في المنافسة بين الصناعات الوطنية في الأسواق  المحلية والخارجية وبحيث تكون  منافسة شريفة وتخدم أهداف التنمية الاقتصادية الشاملة .  مع  العمل على نشر المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة الضرورية لزيادة الإنتاج وتحسين نوعيته وتقليل كلفته بما في ذلك استخدام التجارة الإلكترونية.  وبامكان القطاع الخاص تدعيم قدرته التنافسية وذلك بزيادة  وتنويع الاستثمارات الخاصة في المشاريع الإنمائية ،الإنتاجية  والخدمية و   تحسين جودة الإنتاج وتنويعه  ،وتقليل كلفته  بتبني  وسائل الإنتاج  كثيفة رأس المال والمعتمدة على التكنولوجيا الحديثة بدلاً من وسائل الإنتاج كثيفة العمالة .و  تحسين الإنتاجية للقوى العاملة عن طريق التدريب وإعادة التدريب واستخدام التكنولوجيا المتطورة . مع  دمج المؤسسات الخاصة للاستفادة من اقتصاديات الحجم الكبير حيث يمكن ذلك من خلال قيام مؤسسات المنافسة والأوفر في تكاليف الإنتاج.

في خاتمة هذا البحث

لابد من فكر عقلاني يوفق بين المنزلتين السلبية والايجابية والسلبية للعولمة ويتوفق الى ايجاد وتفعيل الآليات المناسبة للخوض في هذه الظاهرة الحتمية ولو من وجهة نظر اقتصادية بتحفيز الفكر الابداعي والخلاق والتمكن من توفير الضمانات الملائمة للعيش ضمن تحديات المحيط العالمي الجديد

المبحث الثاني

جغرافية الجوع في العالم : تغذية الإنسانية يعد اليوم مشكلا ؟

مع مطلع الألفية الثالثة كان الهدف الرئيسي الذي وضعته الأمم المتحدة هو تقليص عدد الذين يعانون سوء التغذية عالميا إلى النصف بحلول سنة 1015 ، لكن الجوع لم يتراجع  بعد بالمقابل . ويرتفع أكثر خاصة بإفريقيا . لماذا هذه الوضعية التي تشكل صدمة فالحاجيات الغذائية العالمية وبصفة ملحة هي ضرورية جدا لتغذية 6.3 مليار نسمة عالميا اليوم والذين سيصبحون قريبا 9 مليارات نسمة حسب التوقعات ؟ هذا المبحث يركز وبصفة تأليفي على أهم التساؤلات المرتبطة بمشكل نقص التغذية والجوع من وجهة نظرها الاقتصادية والاجتماعية وأيضا على المستوى السياسي .ان مشكل التغذية بقى مطروحا بصفة دورية وضمن أبرز الاهتمامات وهو يبرز 3 تقابلات :

- إن التبعية أصبحت مشكلا تهتم به أغلب الدول  ففي بعض البلدان الغنية وأيضا الفقيرة فهناك 800 مليون شخص في العالم لا يجدون مأكلا يعانون الجوع هذا مايشر الى كم أن سوء التغذية يبقى مشكل توزيع لا مشكل إنتاج .

- كلما كانت هناك دولة تركز على الفلاحة أكثر كلما كانت تعاني من الجوع لأن الغذاء ينتج في العالم أكثر حسب المجموع وهماك دول عديدة جاهزة للاستثمار في الفلاحة وسوء التغذية يصيب أكثر البلدان الفقيرة التي تعد حجما هائلا من السكان والتي تركت فيها خيارات التنمية على المستوى الفلاحي .

- والأهم أن الجوع لايحتد فقط في المناطق التقليدية مثلا بإفريقيا فهو يمس أيضا مناطق أخرى بآسيا الجنوبية والساحل وشمال شرق البرازيل والهند وجنوب آسيا لكن في البلدان التي لاتوضع على المستوى الطبيعي في سلم الجوع مثل الكنغو وزمبابوي وكوريا الشمالية والسودان اذا مانتج سوء التغذية الفقر وانعدام التنمية والتخلف باعتبار أن هذا المشكل مرتبط بالمشاكل السياسية والحروب .

 ليس بالسهل معرفة المقياس الصحيح للجوع داخل مجتمع ما  فالتقديرات تقول أن الشخص يجب أن يتلقى يوميا كمية من الحريرات يوميا تقدر بـ 2300 حريرة لكي لا يصاب بالجوع  على المستوى الفيزيولوجي . لكن الفاو 'المنظمة العالمية للأغذية والزراعة ' تقر بأن احتساب 2700 حريرة للفرد يوميا هو المعدل اللازم وجوده . فالمتوفر غير كاف حتى تكون أسعار المواد الغذائية مناسبة أيضا للفقراء فسوء التغذية أصبح قدر البلدان التي لاتملك المال اللازم لشراء الغذاء .إن منطقة كافريقيا تطرح تغذية غير كافية تماما للسكان وعند افتراض أن السكان يتضاعفون  منذ التسعينات . فالبلدان في طور النمو في معظمها تشهد سوء تغذية بالنسبة لشريحة واسعة من السكان لأن مجموع الحاجيات من الحريرات تقل عن 2700 حريرة يوميا حسب المؤشر الكمي الذي وضعته الفاو مؤخرا .

المبحث الثالث : مشكل الأمية في العالم العربي

يمثل مشكل الأمية في العالم العربي أحد أهم معرقلات التنمية في أبعادها المختلفة سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو العلمية ...باعتبار أن عدد الأميين قد بلغ 70 مليون نسمة مما يجعل المشكل أكثر تناولا وطرحا على الواقع الإقليمي . رغم الجهود المبذولة منذ أكثر من نصف قرن فإن عدد الأميين في تزايد مستمر خاصة وأن معدل الأمية حسب المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم (الألكسو) بلغ 1/3 السكان سنة 2004 مقارنة بمعدل الأمية في العالم الذي لا يتجاوز الخمس .

تشير الإحصائيات أن معدل الأمية يرتفع بحدة لدى النساء نتيجة التقاليد والعادات وتهميش المرأة في عدة أقطار وهو مايمثل إهدارا للطاقة البشرية . رغم اقرار اليوم العربي لمحو الأمية كل سنة  تحسيسا للمشكل القائم تبقى المجهودات المشتركة محدودة في هذا المجال خاصة وأن مفهوم محو الأمية بدأ يشهد في السنوات الأخيرة نموا كبيرا في العالم عامة والدول العربية خاصة عبر برامج متنوعة وتعميم مبدأ التعليم للجميع سعيا الى مجتمع المعلومات والحداثة . كما سعت نسبة هامة من الدول العربية الى تدريب المتعلمين من الكبار واشراكهم في مشاريع تنموية لتحسين ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية مع تحديث برامج التعليم الموجهة نحو الكبار لتتلائم مع التطور التكنولوجي الحديث . وحسب تقرير الأمم المتحدة رغم العدد الهائل للأميين فإن المنطقة العربية تشهد تقدما هاما في التعليم خاصة لدى الفئة العمرية المتراوحة أعمارها بين 15 و 24 سنة أي الفئة الشابة .